أحمد بن محمد المقري التلمساني

403

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

والخيل والحمير ، وبعثوا الكتب للعدوتين وهم طامعون في الإغاثة فلم يأت إليهم أحد ، وأثر فيهم الجوع ، وفشا في أهل نجدتهم القتل ، ولم يظهروا مع ذلك هلعا « 1 » ولا ضعفا ، إلى أن ضعف حالهم ، ويئسوا من ناصر أو مغيث من البر والبحر فتكلموا مع النصارى في الأمان كما وقع ممن سواهم ، فعوتبوا على ما صدر منهم وما وقع من الجفاء ، وقيل لهم لما تحقق العدو التجاءهم : تؤمّنون من الموت ، وتعطون « 2 » مفتاح القلعة والحصن ، والسلطان ما يعاملكم إلا بالخير إذا فعلتم ، وهذا خداع من الكفار ، فلما تمكن العدو منهم أخذهم أسرى ، وذلك أواخر شعبان سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة ، ولم يبق في تلك النواحي موضع إلا وملكه النصارى . وفي عام ثلاثة وتسعين وثمانمائة خرج العدوّ الكافر إلى الشرقية وبلش التي كانت في الصلح ، فاستولى عليها ، واحتجوا بالصلح ، فلم يلتفت إليهم ، وأخذ تلك البلاد كلها صلحا ، ثم رجع لبلاده . [ سقوط « بسطة » وغيرها ] وفي عام أربعة وتسعين [ وثمانمائة ] « 3 » خرج لبعض حصون بسطة فأخذها بعد حرب ، واستولى على ما هنالك من الحصون ، ثم نازل بسطة ، وكان صاحب وادي آش لما تعين العدوّ بمحلته بعث جميع جنده وقوّاده ، وحشد أهل نجدة تلك البلاد من وادي آش والمرية والمنكّب « 4 » والبشرات ، فلما نزل العدوّ بسطة أتت الحشود المذكورة ودخلوها ووقعت بين المسلمين والنصارى حروب عظيمة حتى تقهقر العدوّ عن قرب بسطة ، ولم يقدر على منع الداخل والخارج ، وبقي الأمر كذلك رجبا وشعبان ورمضان ، ومحلات المسلمين نازلة خارج البلد ، ثم إن العدوّ شدّ الحصار وجدّ في القتال ، وقرب المدافع والآلات من الأسوار حتى منع الداخل والخارج بعض منع ، واشتد الحال في القعدة والحجة وقل الطّعام ، وفي آخر الحجة « 5 » اختبروا الطعام في خفية فلم يجدوا إلا القليل ، وكانوا طامعين في إقلاع العدوّ عند دخول فصل الشتاء ، وإذا بالعدو بنى وعزم على الإقامة ، وقوي اليأس على المسلمين ، فتكلموا في الصلح على ما فعل غير هم من الأماكن ، وظن العدوّ أن الطعام لم يبق منه شيء ، وأن ذلك هو

--> ( 1 ) الهلع - بفتح الهاء واللام : شدة الخوف والجزع . ( 2 ) في ه « وتعطوا مفتاح القلعة » . ( 3 ) في ه هنا زيادة كلمة « برجب » . ( 4 ) قال ياقوت : « المنكب - بالضم ثم الفتح وتشديد الكاف وفتحها وباء موحدة ، من نكبت الشيء ، كأنك تعطيه منكبك - وهو بلد على ساحل جزيرة الأندلس من أعمال البيرة بينه وبين غرناطة أربعون ميلا » . انظر معجم البلدان ، مادة نكب . ( 5 ) في ب « في ذي القعدة وذي الحجة وقل الطعام ، وفي آخر ذي الحجة . . . » .